ابن ميثم البحراني

238

شرح نهج البلاغة

السادس : فيه مرابيع النعم ، واستعار لفظ المرابيع ، وهي الأمطار تأتي زمن الربيع فتحيى الأرض وتنبت الكلاء لما يحصل عليه الإنسان من النعم ببركة القرآن ولزوم أوامره ونواهيه وحكمه وآدابه : أمّا في الدنيا فالنعم الَّتي تحصل ببركته لحامليه من القرّاء والمفسّرين وغيرهم ظاهرة الكثرة ، وأمّا بالنسبة إلى الآخرة فما يحصل عليه مقتبسوا أنواره من الكمالات المسعدة في الآخرة من العلوم والأخلاق الفاضلة أعظم نعمة وأتمّ فضل ، ووجه الاستعارة ظاهر . السابع : أنّ فيه مصابيح الظلم ، واستعار لفظ المصابيح لقوانينه وقواعده الهادية إلى اللَّه في سبيله كما يهدي المصباح في الطريق المظلمة . الثامن : أنّه لا تفتح الخيرات إلَّا بمفاتيحه ، وأراد الخيرات الحقيقيّة الباقية ، واستعار لفظ المفاتيح لمناهجه وطرقه الموصلة إلى تلك الخيرات ، ووجه الاستعارة كونها أسبابا موصلة إليها كما أنّ المفاتيح أسباب موصلة إلى خيرات الخزائن مثلا التاسع : ولا ينكشف الظلمات إلَّا بمصابيحه ، وأراد ظلمات الجهل ، وبالمصابيح قوانينه كما سبق استعارة . العاشر : كونه قد أحمى حماه : أي هيّأه وعرّضه لأن يحمى كما يقال : أقتلت فلانا وأضربته إذا هيّأته للقتل وعرّضته للضرب ، واستعار لفظ الحمى لحفظه وتدبّره والعمل بقوانينه ، ووجه الاستعارة أنّ بذلك يكون حفظ الشخص وحراسته : أمّا في الدنيا فمن أيدي كثير من الظالمين لاحترامهم حملة القرآن ومفسّريه ، ومن يتعلَّق به ، وأمّا في الآخرة فلحمايته حفظته ومتدبّريه والعامل به من عذاب اللَّه كما يحمي الحمى من يلوذ به ، ونسبة الإحماء إليه مجاز إذ المعرض له أن يتدبّر ويعمل به هو اللَّه تعالى ورسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وحملته ، وقيل : أراد بحماه محارمه ، وأحماه : أي منع بنواهيه وزواجره أن يستباح محارمه ، وهو أخصّ ممّا قلناه أوّلا . الحادي عشر : وكذلك أرعى مرعاه : أي هيّأه لأن يرعى ، واستعار لفظ المرعى للعلوم والحكم والآداب الَّتي يشتمل عليها القرآن ، ووجه المشابهة أنّ هذه مراعي النفوس الإنسانيّة وغذاؤها الَّذي به يكون نشوها العقليّ ونمائها